عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

74

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

الباب الحادي والعشرون في جمع المال أي بنى ، لا تغفل عن تحصيل المال ، ولكن لا تلق بنفسك في الخطر من أجل المال ، واجتهد في أن يكون كل ما تحصله من خير وجه ليكون هنيئا لك ، وإذا حصلت عليه فاحفظه ، ولا تدعه من يدك بكل باطل ، فإن المحافظة أصعب من التحصيل ، وحينما تضطر للإنفاق فاجتهد حتى تضع عوضه سريعا في مكانه ، لأنك إذا أخذت ولم تضع في مكانه العوض ثانيا ، فإنه ينفد وإن يكن كنز قارون ، وكذلك لا تربط به قلبك بحيث تعده أبديا ، حتى إذا ما نفد وقتا ما ، لا تغتم ، وإذا كان المال كثيرا فأنفق منه بقدر ومقدار ، لأن القليل بالتدبير خير من الكثير بغير توفير ، وإذا تبقى بعدك مال كثير ، فإنه أحب إلى من أن تكون محتاجا ، فقد قيل بقاء المال للأعداء خير من الاحتياج إلى الأصدقاء ، وكثرة الامتلاك خير من كثرة الطلب ، ومهما يكن الشئ زهيدا فاعلم أن المحافظة عليه واجبة ، لأن كل من يحافظ على القليل يستطيع المحافظة على الكثير أيضا ، واعلم أن تولى شأنك خير من تولى شؤون الناس ، واخجل من الكسل ، فإن الكسل تلميذ التعاسة ، وكن حمولا للتعب ، لأن المال يتجمع من التعب ، وكما يزداد بالتعب يذهب من اليد بالكسل ، فقد قال الحكماء : كن في السعي حتى تكون عامرا ، وكن راضيا لتكون غنيا ، وكن متواضعا لتكون كثير الأصدقاء ، فكل ما يتحصل من التعب والجهد ، لا يكون التفريط فيه بسبب الكسل والغفلة من عمل العقلاء ، لأنك تندم في وقت الحاجة ولا يفيد الندم ، ولكن إذا أتعبت نفسك فاجتهد أن تطعم أيضا ، ومهما يكن المال عزيزا فلا تضن به على المستحقين ، لأن الإنسان على كل حال لا يحمل المال إلى القبر ، ولكن يجب أن يكون الإنفاق على قدر الدخل ، حتى لا تصير محتاجا ، لأن الاحتياج لا يكون في بيوت الفقراء فحسب ، بل يكون في كل البيوت ، فإذا كان الدخل درهما مثلا وأنفقت درهما وحبة تظل محتاجا دائما ، فينبغي إذا كان الدخل درهما أن تنفق درهما إلا حبة ، حتى لا يكون الاحتياج أبدا في ذاك البيت . واقنع بما عندك فإن القناعة هي الغنى الثاني ، وذاك الرزق المقسوم لك لا بد وأن يصل إليك ، وكل عمل يتحقق « 1 » بكلام الناس وشفاعتهم فلا تبذل فيه المال ، حتى لا يضيع درهمك عبثا ، لأن عمل الرجل المعدم لا قدر له ، واعلم أن العامة جميعا يحبون الأغنياء من غير نفع يعود عليهم ، ويعادون

--> ( 1 ) الترجمة الحرفية : يصير حسنا .